سيدي عيسى سيدي عيسى
الخميس 10 محرم 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن  
الثّورة في فرنسا ...كتبت الأستاذة : نجمة سيّدأحمد حفيدة الشهيدة الرمز لالة فاطمة نسومر
بقلم : نجمة سيّدأحمد
لنفس الكاتب
[ شوهد : 1661 مرة ]
الأستاذة نجمة سيّدأحمد

من سيدي عقبة( بسكرة ) إلى العاصمة إلى فرنسا، ذكريات السّيّد السّعيد جدّيديّ في ثورة التّحرير.

الثَّوْرَةُ في فِرَنْسا

في الْواقِعِ، لَمْ يَكُنْ حَبْسُ فَانْسِينَ حَبْساً، بَلْ كانَ مُجَرَّدَ مَحْشَدٍ يُودِعُونَهُ السُّجَناءَ السِّياسِيِّينَ إيداعاً. فإذا كانَ عامُ ‍‍1958م، جَعَلُونا نَحْنُ الْقُدامَى، في قاعاتٍ أَسِرَّتُها بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ. وكانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْنا بِبُرْمٍ عَظِيمةٍ فِيها حَسَاءُ جِلْبانٍ يابِسٍ ، مِنْ رَداءَتِهِ يَرْتَعِشُ ارْتِعاشاً. وكانَ بَعْضُ الإخْوَانِ تَحْتِي ما يَفْتَأُ يُخاطِبُنِي، كُلَّما مَرُّوا:
-اُنْظُرْ يا السَّعِيدُ "الْحَيَّةَ" هلْ تَرْتَعِشُ، فَلَئِنْ كانَتْ تَرْتَعِشُ فلا داعِيَ لإيقاظِي.
كُنْتُ في ذَلِكَ الزَّمانِ، أَرْفَعُ يَدَيَّ إلى السَّماءِ كُلَّ صَباحٍ، وأَدْعُو حَارّاً:
-اِنْزَعْ لِي عَيْناً، يارَبُّ، واتْرُكْ لِي عَيْناً وأَرَى الْجَزائرَ مُسْتَقْلَّةً ذاتَ يَوْمٍ.
فَكانَ هَذا الّذِي تَحْتِي يَقُولُ لِي:
-إنَّما بَدأْتَ تُجَنُّ يا السَّعِيدُ.
فَكُنْتُ أُجِيبُ:
-كَلاَّ. لَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ هَبَلٍ. وإنَّما أُحِبُّ أَنْ أَرَى اسْتِقْلالَ الْجَزائرِ يا إبْراهِيمُ أَخِي.
وكُنْتُ أَصْمُتُ شارِداً عَنِ الْمكانِ إلى مَرْتَعِ طُفُولَتِي، لَمَّا انْخَرَطْتُ في الْكَشَّافَةِ - وأَنا صَغِيرٌ -لأَنَّ لِباسَها أَعْجَبَنِي وفِيها كُنَّا نُغَنِّي:
مِنْ جِبالِنا طَلَعَ صَوْتُ الأَحْرارْ *** يُنادِينا لِلاِسْتِقْلالِ
ولَكِنَّا ما كُنَّا نَفْهَمُها فَكُنَّا إذا سَأَلْنا الأُسْتاذَ قال:
-إذا كَبُرْتُمْ فَهِمْتُمْ.
كُنَّا نَدْفَعُ أُجْرَةً بَسِيطَةً ثُمَّ نَتَناوَلُ خِرْقَةً خَضْراءَ ونَسِيرُ في الطُّرُقاتِ مُغَنِّينَ غايَتَما حَظَرَتْ عَلَيْنا فَرَنْسا بعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ. وما فَهِمْتُ مَعْنَى النَّشِيدِ إلاَّ وأَنا مُجاهِدٌ في الثَّوْرَةِ.
ومِنْ ضِمْنِ مَنْ كانَ مَعَنا ثَمَّةَ في فانْسِينَ، الْبَشِيرُ بُومَعْزَةَ. وكانَتِ الثَّوْرَةُ، في مَبْدَئِها، مِيصالِيَّةً كُلِّيّاً، عَلى الأَقَلِّ طِيلَةَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ الأُولَى. وكانَ مِيصالِيُّ هَذا في قَصْرِ دِي شانْتِيِّي الّذِي يَحْوِي جَمِيعَ تارِيخِ الْجَزائر.
ثُمّ إنَّ الثَّوْرَةَ نَشِبَتْ بَيْنَنَا نَحْنُ الْوَطَنِيِّينَ وانْقَسَمْنَا إلى حِزْبَيْنِ مِصالِيِّ وجَبْهَوِيٍّ. وطالَما أَنَّ حَدِيثاً يَجْلِبُ حَدِيثاً، فَإنَّ صُورَةَ أَحَدِ الْجَبْهَوِيِّينَ تَحْضُرُنِي هُنا، وقَدْ أَمْسَكَ مُسَدَّساً صامِتاً وأَرْدَى مِيصالِيّاً أَمامِي قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَيَّ سائلاً ونظَرُهُ يَثْقُبُ مِنِّي الرُّوحَ بَعْدَ الْجَسَد:
-أَوَ يَسْتأَهِلُ؟
نَفَخْتُ لا أَتَحَكَّمُ فِي بَناتِ شَفَتَيَّ وقَدْ ذَهَبَ بِهِما الارْتِعاشُ كَلَّ مَذْهِبٍ:
-يَسْتَأْهِلُ.
فَتَنَحَّى عَنِّي وكانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَيِّتٍ أَراهُ بِعَيْنِيَّ. كُنْتُ في ذَلِكَ الزَّمانِ مَسْؤُولاً عَنْ مَنْطِقَتَيْ "الطُّرُق الأرْبَعِ جُونْفِيلْيِيه ". وكانتا في ذَلِكَ الزَّمانِ مَحْيُوفَتَيْنِ جِدّاً، قَدِ اسْتَحْكَمَ بِهِما الْعَوَزُ، فَغَطَّتْهُمَا الْبُيُوتُ الْقَصْدِيرِيَّةُ كَأَنَّما الْفُطْرُ يَبْرُقُ بَعْدَ وَابِلِ مَطَرٍ. كُنَّا نَخْتَفِي في تِلْكَ الزَّنْقاتِ فَلا تَجِدُ الشُّرْطَى إلَيْنا سَبِيلاً. وكُنَّا قَدْ قَسَّمْنا ذَلِكَ الْحَيَّ الْعَظِيمَ إلى قِسْماتٍ مِنْها ما أَسْمَيْناهُ "الْقاهِرَةَ" و"صَوْتَ الْعَرَب" كَما أَنَّنا اسْتَحْدَثْنَا رُمُوزاً وأَسْماءَ مُسْتَعارَةً للإخْوانِ. فَكُنْتُ، عَلى سَبِيلِ الْمِثالِ، أُدْعَى: "اكْرُوتشِّيفْ". وكَذَلِكَ ابْتَكَرْنا لُغَةً نَتَكَلَّمُ بِها لا أَحَدَ يَفْهَمُها سِوانا تَجَنُّباً لِلْحَرْكَى الّذِينَ كانُوا يَتَجَسَّسُونَ عَلَيْنا. مِنْ ذَلِكَ: "-رَوَّحْتْ ابَّيَّكْ بُوسامْ" بِمَعْنَى: "اِذْهَبْ إلى ذَلِكَ الْمَكان."
وكانَ أَحَدُ السَّطائفِيَّةِ هُوَ الّذِي ابْتَكَرَ هَذِهِ اللُّغَةَ. كانَتْ حالَتُنا حالَةَ الْقِرَدَةِ وعلى ذَلِكَ ثُرْنا.
فإذا كانَ اللَّيْلُ، تَحَرَّكْتُ فِي "طُرُقِ كُولُومْبْ الأَرْبَعَةِ" إلى أَنْ هاجَمَتْنا La DST وهُمْ شُرَطٌ مَتَخَصِّصُونَ في هَذا الشَّيْءِ لا غَيْرُ. رُغْمَ ذَلِكَ فإنَّهُمْ كانُوا يَجْهَلُونَ الْمَكانَ وما زِلْتُ إلى حَدِّ السَّاعَةِ أَجْهَلُ كَيْفَ عَثَرُوا عَلى مَوْضِعِ شُغْلِي. على أَنَّهُمْ، لَمَّا طَلَبُوا الرُّجُوعَ إلى مَكْتَبِهِمْ في بارِيسَ، تاهُوا لَوْلا أَنْ دَلَلْتُهُمْ أَنا عَلَيْهِ.
كانُوا في ذَلِكَ الْوَقْتِ يَجْعَلُونَ رِجْلَيْ الرَّجُلِ في الإسْمَنْتِ حَتَّى إذا جَفَّ أَلْقَوْهُ في نَهْر السِّينِ حَيّاً أَوْ يَضْرِبُونَهُ إلى الرَّأْسِ فإذا غُشِيَ عَلَيِهِ أَلْقَوْهُ في شِكارَةٍ وحَزَمُوها قَبْلَ أَنْ يُلْقُوهُ.
فإذا امْتَطَيْتُ السَّيَّارَةَ، أَطْلَلْتُ تَحْتَ الْمَقاعِدِ أُفَتِّشُ عَنِ الأَكْياسِ عَسَى أَنْ أَفِرَّ لَوْ قُدِّرَ لِي. بَيْدَ أَنَّهُمْ أَفاقُوا إلَيَّ وَإذا أَحَدُهُمْ يُعَلِّقُ:
- Dis donc il est malin lui ! … عَسَى أَنْ تَبْحَثَ عَنِ الشَّكائر؟
أَكَّدْتُ:
- أَجَلْ! هُوَ ذَاكَ.
اِسْتَمَرَّ:
-فإنَّا لا نُرِيدُكَ أَنْتَ بِالذَّاتِ بَلْ مُسَيِّرَكَ.
تَرَفَّعْتُ بِاشْمِئْزازٍ واعْتِدادٍ:
-كَيْفَ يَكُونُ أَكْبَرُ مِنِّي وأَنا الرَّجُلُ الْقَوِيُّ الْكَبِيرُ؟
نَفَخَ:
-اِسْمَعْ. لا تَتَمَهْبَلْ عَلَيْنا حَيْثُ إنَّكَ تَفْهَمُ جَيِّداً ما نَبْغِيهِ.
أَجَبْتُ بِبَساطَةٍ:
- ما أَعْرِفُ أَحداً.
وكانَ رَئِيسُ الْمُوَظَّفِينَ السَّيِّدُ قُوسِيرGoussaire الّذِي أَعْمَلُ عِنْدَهُ، قَدْ نَفَعَنِي كَثِيراً. كانَ يَمِيلُ إلى الْجَزائرِيِّينَ بَعْضَ مَيْلٍ فَإذا بَحَثُوا مَعَهُ، شَهِدَ لِي بِالاسْتِقامَةِ فَخاطَبَنِي الْمُفَتِّشُ مُعَلِّقاً:
-Dites donc votre chef vous aime bien ! …إنَّ الْمَسْؤُولَ عَنْكَ يُحِبُّكَ على ما يَبدُو.
قارَضْتُ:
-C’est la preuve que je suis un type bien. هَذَا بُرْهانٌ عَلى أَنَّنِي رَجُلٌ جَيِّدٌ.
الْمُهِمُّ أَنَّهُمْ نَقَلُونِي مِنْ ثَمَّةَ إلى النِّيابَةِ حَيْثُ قَضَيْتُ اللَّيْلَ. والْمُضْحِكُ في الأَمْرِأَنَّنِي كُنْتُ دَلِيلَهُمْ على الطَّرِيقِ إذا ما تَوَدَّرُوا لَيْلاً. فإذا بَلَغْنا مَكْتَبَهُمْ، أَكْرَمُونِي بِسَنْدَوِيتشَّ، امْتِنانناً وشُكْراناً. لَمْ يَكُنْ أَبَداً مِنْ عادَتِهِمْ أَنْ يُعْطُوا طَعاماً لأَحَدٍ بَيْدَ أَنَّنِي، لَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُخْرِجُونَ خارِطَةَ بارِيسَ ويَتَجادَلُونَ، سَأَلْتُهُمْ:
-لَعَلَّكُمْ تَجْهَلُونَ طَرِيقَ "الدَّار"؟
نَفَخُوا بِصَوْتٍ واحِدٍ، وقَدْ جَحَظَتْ حَدَقاتُهُمْ حَيْرَةً:
-إيْ بِالله!
تَفَوَّهْتُ بِبَساطَةٍ:
-فَسِيرُوا على بَرَكَةِ اللهِ أَنا أُشِرْ عَلَيْكُمْ.
اِسْتَفْهَمَ بَعْضُهُمْ:
-وكَيْفَ تَعْرِفُ الطَّرِيقَ أَنْتَ؟
قُلْتُ:
-هَذِهِ حَوْمَتِي.
فَلَطَمَ رَأْسَهُ قائلاً:
-أَجَلْ، أَجَلْ، نَسِيتُ.
ثُمَّ إنَّهُمْ بَحَثُونِي وَأَمْسَكْتُ حَتَّى إذا بَزَغَ نُورُ الصَّباحِ ومَسَحَ ذَلِكَ اللَّيْلَ الْكالِحَ، نَقَلُونِي إلى فانْسِينَ ، إلى بَعْضِ الْمُسْتَوْدَعاتِ يُلْقُونَ فِيها النَّاسَ كُمَا تُلْقَى النُّفاياتُ في مَوَاضِعِ إفْراغِ الْقُمَامَةِ. لا مِرْحاضَ بِها ولا مَجْرًى ولا ماء. الْحاصِل "واحَدْ الْحالَة !" كانُوا يَنْبَذُونَ إلَيْنا كارْتُوناتٍ نَفْتَرِشُها والْمَطَرُ عَلَيْنا هاطِلٌ. أنا واحِدٌ أَصابَنِي السُّعالُ أَو الالْتِهابُ الرِّئَوِيُّ ما أَدْرِي…بَعْدَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ، رَدُّونِي إلى افْرِينْ حَيْثُ صادَفْتُ الْبَشِيرَ بُومَعْزَةَ وقدْ جَمَعَتْنا زَنْزانَةٌ واحِدَة. فَتَعاوَنَّا عَلى تَدْرِيسِ الْعَرَبِيَّةِ قُرابَةَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ لَوْلا أنْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنْ يَنْفُونِي مِنْ بارِيسَ وضَوَاحِيها بِصِفَةٍ قَطْعِيَّةٍ وقدْ تَقََلْْنَسْتُ بِقُلَنْسُوَّةِ النَّقِيبِ وأَضْحَيْتُ أَتَحَدَّثُ بِاسْمِ الْمَساجِينِ وأَطْلُبُ طَعاماً أَطْيَبَ وظُرُوفاً أَلْيَقَ.
كانَ دُخُولِي الأُوَّلُ إلى فِرَنْسا في يُونْيَه عام 1951م. دَخَلْتُها سائحاً ثُمَّ أَصبْتُ وَظِيفَةً بِسُرْعَةٍ فَمَكَثْتُ فِيها إلى يَوْمِنا هَذا.
خَرَجْتُ مِنْ سَيِّدِي عُقْبَةَ سَنَةَ 1945م بَعْدَ وَفاةِ أُمِّي وكانَ أَبِي قَدْ تَوَفَّاهُ الأَجَلُ الْمَحْتُومُ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.
كانَ النَّاظِرُ إلَيَّ آنذاكَ، يَرْثِي لِحالِي ويَمْتَنِعُ عَنِ النَّعْمَةِ يَسْتَطْعِمُها. شابٌّ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ رَبِيعاً (وُلِدْتُ عامَ 1929م) قَرِفٌ، زَرِيُّ الْحالِ، قَدْ أَعْمَلَ فِيهِ الْيُتْمُ عَمَلَهُ ولَفَظَهُ إلى الدُّرُوبِ يَتَسَكَّعُ لَوْلا أَنْ أَبْصَرَ بِي أَحَدُهُمْ فامْتَعَضَ لِمَنْظَرِي وَبادَرَنِي:
-أَما دَرَيْتَ يا مِسْكِينُ أَنَّ لَكَ ابْنَ عَمٍّ في الْعاصِمَةِ؟ تَعالَ مَعِي أصْحَبْكَ إلَيْهِ...لنْ أَتَخَلَّى عَنْكَ حَتَّى أُوصِلَكَ إلى فَمِ بابِهِ.
حاجَجْتُ:
-أَمَّا أَنا فَما أَعْرِفُهُ.
قال:
-لا تَخْشَ شَيْئاً أَنا أَعْرِفُهُ.
ومَعَ أَنَّهُ قَدْ كانَ لِي إخْوَةٌ مِنْ أَبِي وأَخْوَالٌ في سَيِّدِي عُقْبَةَ ولَكِنَّ أَحَداً لَمْ يَكْتَرِثْ لِحالِي، فَاسْتَمَرَّ الرَّجُلُ:
-هَيِّئْ دَراهِمَ السَّفَرِ.
هَمَسْتُ بِصَوْتٍ رَتِيبٍ كَمَا لَوْ كُنْتُ أُحَدِّثُ مَعْتُوهاً غابَتْ عَنْهُ مَسْأَلَةٌ بَدِيهِيَّةٌ:
-لَيْسَ لِي.
فَأَجابَنِي كَمَنْ أَفاقَ إلى ما فِي ذِهْنِي مِنْ تَعْلِيقٍ فَنَفَخَ مَلْسُوعاً:
-تَدَبَّرْ شَأْنَكَ.
فَجَعَلْتُ أَبِيعُ الأَشْياءَ الّتِي خَلَّفَتِ الْعَجُوزُ: الْقَصْعَةَ والْمِهْراسَ والْمَلاعِقَ حَتَّى جَمَعْتُ ثَمَنَ الْقِطارِ مِنْ بَسْكَرَةَ إلى الْعاصِمَةِ. بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنَ السَّفَرِ، بَلَغْتُ دارَ ابْنِ عَمِّي فَأَلْفَيْتُ الْجَوَّ ثَقِيلاً. ومَعَ أَنَّ زَوْجَهُ مِنْ سَيِّدِي عُقْبَةَ أَيْضاً، بَيْدَ أَنَّها كانَتْ تُؤَكِّلُ أَبْناءَها خُفْيَةً عَنِّي. رَأَيْتُها بِعَيْنِي هَتِهِ فَاحْتَمَلْتُ نَفْسِي مِنْ عِنْدِهِما إلى الْمَجْهُولِ. تِلْكَ أَيَّامٌ عَصِيباتٌ أَمْضَيْتُها في الْعاصِمَةِ وقَدْ قَبَضَ علَيَّ الْفَقْرُ الأَكْحَلُ بمَخالِبَ ماضِيَةٍ كَما الْعِفْرِيتِ الْمارِدِ يُنْشِبُ أَظافِرَهُ في بَدَنِ الْمُؤْمِنِ.
كانَ ثَمَّةَ مَحْجَرَةٌ تُدْعَى مَحْجَرَةَ السَّيِّدَةِ جُوبِير لا أَدْرِي اسْمَها الآنَ، فَوْقَ حَيِّ اكْلِيما دُو افْرُونْسْ ، يَجْلِبُونَ مِنْها الْحَصْباءَ في النَّهارِ. ولأَنَّنِي كُنْتُ اَرْتَدِي سِرْوالاً مُمَزَّقاً ونَعْلَيْ الْحَلْفاءِ فَقَدْ كُنْتُ أَسْتَحِي مِنْ هَيْئَتِي وَأَخْتَفِي في تِلْكَ الْمَحْجَرَةِ بِالنَّهارِ فإذا سَتَرَتِ الْغُلْسَةُ، هَوَّدْتُ إلى الأَحْياءِ الْفِرَنْسِيَّةِ أُفَتِّشُ في مَزابِلِ الرُّومِ عَنْ بَقايا أَكْلٍ وطَعامٍ. أَشَدُّ ما كُنْتُ أَخْشاهُ أَنْ يَعْلَمَ بِخَبَرِي ناسُ سَيِّدِي عُقْبَةَ فَيَضْحَكُوا مِنِّي أَوْ يَتَشَفَّوْا.
كانَ ثَمَّةَ رَجُلٌ اسْمُهُ الْعِيدَ بُومَعْزَةَ أَصْلُهُ مِنْ نَوَاحِي بَسْكَرَةَ. سَمِعَ بِي هامِلاً فَانْطَلَقَ يَسْتَطْلِعُ ابْنَ عَمِّي فَأَنْكَرَ مَكانِي فَاسْتَمَرَّ يَسْأَلُ مِنْ مَوْقِعٍ إلى مَوْقِعٍ حَتَّى أُشِيرَ عَلَيْهِ:
-إنَّهُ في الْمَضْرِبِ الْفُلانِيِّ.
ذاتَ صَباحٍ، لَمَحْتُ سَيِّداً ذا هَيْئَةٍ جَمِيلَةٍ مُقْبِلاً صَوْبَ الْمَحْجَرَةِ يَسِيرُ مُنْفَرِداً. أَجْفَلْتُ مِنْهُ ولَكِنَّهُ جَعَلَ يَدُورُ في الْمَكانِ، يَلاعِبُ التُّرابَ، مُغَنِّياً عَنْ سَيِّدِي عُقْبَةَ أو مُرَتِّلاً الْقُرْآنَ حَتَّى يَجْذِبَنِي. فإذا َتَشَجَّعْتُ، كَلَّمَنِي بِاسْمِي سائلاً:
-لِمَ هَرَبْتَ مِنْ دارِ ابْنِ عَمِّكَ؟
قُلْتُ:
-لَوْ رَأَيْتُ مِنْهُ الْخَيْرَ لَما فَرَرْتُ ولَوْ كانَ لِي عَمَلٌ لَما تَدَحْرَجْتُ إلى هَذَا الدَّرَك الّذِي تَرَى.
فَاصْطَحَبَنِي إلى بَيْتِهِ وكانَ أَبْتَرَ لا وَرِيثَ لَهُ فَخاطَبَ زَوْجَهُ:
-هَذا وَلَدُنا انْطِلاقاً مِنَ الْيَوْمِ فَاعْتَنِي بِهِ وانْتَبِهِي...إنَّهُ فِلْذةُ كَبِدِكِ.
لَقَدْ صَنَع هذانِ لِي خَيْراً لَنْ أَنْساهُ. ما زِلْتُ أَذْكُرُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ إذْ حَمَلَتْ جَفْنَةَ ماءٍ وصابُوناً أَغْتَسِلُ فَما خَرَجْتُ مِنْ ذَلِكَ الْحَمَّامِ حَتَّى وَجَدْتُ كُسْوَةً جَدِيدَةً تَنْتَظْرُنِي. وإذا السَّيِّدُ يُبادِرُنِي:
-لا تَحْمِلْ هَمّاً. سَأَتَدَبَّرُ لَكَ عَمَلاً.
لَكِنَّ الشَّيْطانَ لَعِبَ بِعَقْلِي وكُنْتُ غِرّاً لَمْ تُحَنِّكْهُ الدُّنْيا، فَأَخَذْتُ فِي مُعَاشَرَةِ أَصْحابِ السُّوءِ، لا سِيَّما أَنَّنِي كُنْتُ أَشْتَغِلُ في مَقْهًى في بابِ الْوادِي صاحِبُها مِنْ سَيِّدِي عُقْبَةَ ومِنْ ثَمَّةَ أُشاهِدُ النَّاسَ تَرْكَبُ الْباخِرَةَ وتَبْتَعِدُ.
كُنْتُ أُشاهِدُ الطَّوَابِيرَ على مِئَتَيْ مِتْرٍ. وكانَتِ السُّلُطاتُ تَشْتَرِطُ آنَذاكَ على الْمُسافِرِينَ فَحْصاً طِبِّيّاً دَرْءاً للأَمْراضِ وكانَ التَّيْفُوسُ مُنْتَشِراً فَخَمَّنْتُ بَيْنِي وبَيْنَ نَفْسِي:
-لأَرُوحَنَّ أَنا أَيْضاً فَأَرَ فِرَنْسا هَتِهِ الّتِي تَغْدُو إلَيْها النَّاسُ جَمِيعاً ما تَكُونُ؟
ودامَ اخْتِراقُ الْبَحْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. لَمْ تَكُنْ في الْواقِعِ باخِرَةً تِلْكَ الَّتِي امْتَطَيْتُها بَلْ سَفِينَةَ شَحْنٍ يَنْقُلُ فِيهِ الْفِرَنْسِيُّونَ الزَّوَائلَ والْبَقَرَ إلى فِرَنْسا.
لَمْ يَكُنْ بِفِرَنْسا، عامَ1951م حَرَكَةٌ سِياسِيَّةٌ واضِحَةٌ بَلْ مُجَرَّدُ قَلاقِلَ سُفْلِيَّةٍ لَمْ تََنْتَبِهْ إلَيْها الشُّرْطَةُ فَما إنْ حلَّ عامَ 1954م حَتَّى ظَهَرَ الْجَمِيعُ مِيصالِيّاً.
كانَتِ الدِّيارُ الْقَصْدِيرِيَّةُ تُغَطِّي "طُرُقِ آنْيِير الأَرْبَعة" هَتِهِ، وتَخْرُجُ إلى آرْجُونْتُويْ مُرُوراً بِنانْتِيرْ وجُونْفِيلِيْه . وما كانَ يَقْطُنُها غَيْرُ الْجَزائرِيِّينَ وعائلاتِهِمْ. ما مِنْ سَيَّارَةٍ تَمُرُّ مِنْ هُناكَ، فإذا جُنَّ اللَّيْلُ، اِنْقَطَعَ عَنْها الشُّرْطَةُ رَهْبَةً والْعَرَبُ كُلُّها مُسَلَّحَةٌ. فَكُنَّا نَجْتَمِعُ بِها والنِّساءُ يُزَغْرِدْنَ إذا شَعَرْنَ بِشَيْءٍ مُرِيب.
لَوْلا تِلْكَ الْبُيُوتُ الْقَذِرَةُ لَما قَدَرْنا عَلَيْهِمْ الْحَقِيقَةُ. أَمَّا أَنا فَكُنْتُ رَئِيسَ قِسْمَةٍ. أَجْمَعُ الأَمْوَالَ وأَجْعَلُها في كِيسٍ أَسَوَدَ ثُمَّ أُودِعُها الْقُنْصُلِيَّةَ التُّونِسِيَّةَ الَّتِي تُبْلِغُها الإخْوانَ الْجَزائِرِيِّينَ في تُونِسَ فَيَبْتاعُونَ لَنا السِّلاحَ ويُرْسِلُونَهُ إلَيْنا عَنْ طَرِيقِ الْمَغْرِبِ الأَقْصَى.
ذاتَ خَطْرَةٍ، كانَتْ لِي سَيَّارَةُ "رُونُو أَرْبَعَةِ أَحْصِنَةٍ" وكانَتْ عِنْدَنا ثَلاثَةُ أَكْياسٍ مَمْزُوجَةً دَراهِمَ ومَنْشُوراتٍ، قَدْ أَخْفَيْناها تَحْتَ سَرِيرٍ، حَصَرْناهُ إلى الْحائطِ، رَيْثَما أَنْقُلُها إلى سانْ دُونِيسْ . فإذا أَفَقْنا صَباحاً، أَلْفَيْنا الدَّارَ مُطَوَّقَةً بِالْحَرْكَى وكانُوا أَشَدَّ مِنَ الْفِرَنْسِيِّينَ قَسْوَةً وظُلْماً حَتَّى اطَّرَدَتْ فِيهِمْ كَلِمَةُ: "مُحَمَّد يَعِيب مُحَمَّدا". الْمُهِمُّ أَنَّا رَفَعْنا السِّتارَ فَرَأْيَناهُمْ مُحْدِقِينَ وكُنَّا أَرْبَعَةً: ثَلاثَةٌ مِنْ سَيِّدِي عُقْبَةَ وَواحِدٌ مِنْ سَطِيف. فَبادَرْتُ أَحَدَهُمْ قائلاً:
-اِسْمَعْ. تَدَبَّرْ شَأْنَكَ واشْغَلْهُمْ على ألاَّ يَدْخُلُوا الْحُجْرَةَ.
فَلا طَوَّلَ ولا قَصَّرَ وإذا بِهِ يَتَناوَلُ مِذْياعَ الْمُدَوِّرَة الّذِي كانَ عِنْدَنا زَمنَئذٍ فَحَرَّكَ أُسْطُوانَةً لِعِيسَى الْجَرْمُونِيِّ فَما إنْ سَمِعُوه حَتَّى تَسَلَّلُوا إلَيْنا فتَصالَبْنَا مُخْفِينَ وَجَلَنا فَجَالَسُونا في الْمَطْبَخِ زَمَناً ثُمَّ انْكَفَأُوا مِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُفَتِّشُونا. فاغْتَنَمْتُها فُرْصَةً واحْتمَلْتُ الأكْياسَ في ذَلِكَ النَّهارِ إلى سانْ دُونِيس فَما إنْ بَلَغْتُ "الطُّرُقَ الأَرْبَعَةَ" بالأَحْصِنَةِ الأَرْبَعَةِ حَتَّى نَدَرَتْ سَيَّارَةُ شُرْطَى مِنْ بَعْضِ الثَّنايا بِكُلِّ سُرْعَةٍ فَصَدَمَتْ لِي الْجَناحَ فَشَحُبْتُ دَفْعَةً واحِدَةً وفُجِعْتُ غايَة. فَإذا رَأَوْنِي مُصْفَرّاً كَذَلِكَ، حَسِبُوا بِيَ ضُرّاً فَاصْفَرُّوا هُمُ أَيْضاً وخَرَجُوا إلَيَّ مِنْ سَيَّارَتِهِمْ وجَعَلُوا يَتَلَمَّسُونَنِي:
-ça va ? ça va? …عَسَى أَلاَّ يَكُونَ بِكَ بَأْسٌ.
يا لَعَيْبِ الْ ça va »" وأَنا الْخائفُ مِنْهُمْ أَتَرَعْدَدُ لأَنَّنِي مَنْفِيٌّ من بارِيسَ وسَيَّارَتِي مُعَبَّأَةٌ بِأَكْياسِ الْمَنْشُوراتِ! وجَعَلُوا يَتَوَسَّلُونَ إلَيَّ حَتَّى أُرافِقَهُمْ إلى الْمُسْتَشْفَى ولَكِنَّنِي أَبَيْتُ فَسَجَّلُوا اسْمِيَ وذَهَبُوا.
وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْقَبْضِ عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى. اِسْتَدْعَوْنِي بَعْدَ أَنْ لاحَظُوا أَنَّ بِطاقَتِي بِطاقَةَ سِجْنٍ فَحَجَزُوا سَيَّارَتِي ولَكِنَّا نَحْمَدُ اللهَ ونَشْكُرُهُ أَنْ كُنْتُ قَدْ تَخَلَّصْتُ مِنَ الأَكْياسِ. شارَعُونِي أَوَّلَ مَرَّةٍ فَكانَ الْحُكْمُ عاماً ثمَّ شَهْراً ويَوْماً المَرَّةَ الثَّانِيَّةَ وكانَ الْمحامِي جَزائرِيّاً يُدْعَى"ابْنَ عَبْدِ اللهِ". ما زِلْتُ أَتَمَثَّلُهُ يُرَبِّتُ على كَتِفِي مُطَمْئِناً:
-لا تَخَفْ.
الْحَقِيقَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ ضِدِّي. إنَّما أَفاقُوا إلَيَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِيعَةً. كُنْتُ أَقْطُنُ مُنْفَرِداً بَيْنَ الْفِرَنْسِيِّين. لا تُعاشِرُنِي في حَيِّي ذَلِكَ نَفْسٌ عَرَبِيَّةٌ إطْلاقاً. ثُمَّ لاحَظَ الْجِيرانُ الرُّومُ بِأَنَّ الإخْوَانَ يَزُورُونَنِي ساعَةً على ساعَةٍ فَارْتابُوا واسْتَدْعَوِا الشُّرْطَى وكانَ الّذِي كانَ.
مِمَّا أَذْكُرُهُ أَنَّنِي خَرَجْتُ إلى مُوزِيل في الشَّرْقِ، مَوْسِمَ يَنايِرَ والْجَوُّ بارِدٌ. قَصَدْتُ نَسِيباً لَنا هُوَ أَيْضاً مَنْفِيٌّ أَخْتَفِيَ عِنْدَهُ أَيَّاماً. أَلْفَيْتُ الْبَرْدَ فِعْلاً قارِساً عِنْدَهُمْ حَتَّى إنَّهُمْ قَدْ أَخْفَوْا رُؤُوسَهُمْ وُوُجُوهَهُمْ فَلا تَبِينُ إلاَّ عُيُونُهُمْ. كانَ عَرَبُنا يَعْمَلُونَ في مَصْنَعِ آجُرٍ يَدْعُونَهُ "مَصْنَعَ الطِّينِ"، وكانُوا يَشْتَغِلُونَ بِأَرْجُلِهِمْ كَما تُعْجَنُ الْخُمْرَةُ في بِلادِنا، فَكانُوا يُمِدُّونَهُمْ بِأَحْذِيَةٍ تَبْلُغُ الأَفْخاذَ فَيَخْلِطُونَ الوَحْلَةَ.
لَمَّا بَلَغْتُ الْمَصْنَعَ أَنْتَظِرُ مُصْطَفَى نَسِيبِي إذا النَّاسُ خارِجةٌ مُلَثَّمَةٌ مِنْ رَأْسِها إلى أَخْمَصَيْها، فإذا نَدَرَ هُوَ، عَرَفَنِي ولَمْ أَعْرِفْهُ فَتَوَسَّلْتُ إلَيْهِ:
- مُصْطَفَى أَرِنِي الْمَحَطَّةَ أَرْجِعْ. واللهِ لا بَقِيتُ مَعَكُمْ دَقِيقَةً زِيادَة. حَبْسُ بارِيسَ ولا هَتِهِ الْبِلاد…أَنْتُمْ أَعْتَهُ مِنَ الْعَبِيدِ هُنا.
فَنُقِلْتُ إلى حَبْسِ فانْسِينَ أَوَّلاً ومِنْ ثَمَّةَ إلى حَبْسِ لا سانْتِي ثُمَّ إلى افْرِينْ حَيْثُ لَقِيتُ الْبَشِيرَ بُومَعْزَةَ مِنْ جَدِيدٍ. كُنَّا في الْحَبْسِ نَتَحادَثُ عَبْرَ قَنَواتِ المَدافِئِ الْغازِيَّةِ حَيْثُ نُلْصِقُ أَفْوَاهَنا إلى أَنابِيبِها ونَتَكَلَّمُ. كُنَّا نَقْرَعُها أَوَّلاً فَإذا انْتَبَهَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ تَكَلَّمْنا. وما أَفاقُوا إلَيْها إلاَّ في آخِرِ مُهْلَةٍ. وكنَّا نَطْبُخُ على الْكانْكِي. فَنُمْسِكُ عُلْبَةَ شِمَّاءٍ نَثْقُبُها، نَغْرِسُ فِيها فَتِيلَةً فَنَمْلأُها بِالْغازِ ونَنْصُبُها على ثَلاثِ حِجَارَةٍ ونَطْبُخُ. كُنَّا نَشْتَرِي الْغازَ مِنَ التَّعاوُنِيَّةِ فَإذا احْتَرَقْنا، احْتَرَقْنا نَحْنُ وهُمْ لا يُهِمُّهُمْ مِنْ شَأْنِنا مِثْقالُ ذَرَّةٍ. أَمَّا قَدِيماً فَكانُوا يُشْعِلُونَ بِالْكُورْبِيلِ وهِيَ حَجَرة يَصُبُّونَ عَلَيْها الْماءَ فَتَقْدَحُ.
وكانَ الْمَساجِينُ، إذا سَمِعُوا أَنَّ أَحَدَهُمْ سَيُعْدَمُ، يَنْدُرُونَ كُلُّهُمْ يَصْرُخُونَ ويُنْشِدُونَ ويَقْرَأُونَ حَتَّى لا يَسْمَعُوهُمْ يَقْتُلُونَهُ ثُمَّ يُخْرِجُونَهُ في اللَّيْلِ ويَدْفِنُونَهُ حَوْلَ السِّجْنِ.
ثُمَّ إنَّ إضْرابَ 1961م رَانَ عَلى الشَّوَارِعِ وكَتَّفَ السَّواعِدَ فَما كُنْتِ تَرَيْنَ جَزائرِيّاً واحِداً يَعْمَلُ. كُنْتُ مُوَظَّفاً آنَذاكَ في مَصْنَعِ "كُولُومْبَ " لِلْبَطَّارِيَّات. وبِما أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمَّالِ كانَ جَزَائِرِيّاً فإنَّ الْمَعْمَلَ تَوَقَّفَ عَنِ الدَّوَرَانِ. فَهاجَمَتْنِي الشُّرْطَى في بَيْتِي واقْتادَتْنِي قَهْراً إلى الْمَعْمَلِ، بَعْدَ أَنْ كَبَّلَتْنِي، حَتَّى يُفْتَحَ زَمْتاً. فَهَرَبْنا مِنْ عَلى الْجُدْرانِ خائفِينَ لأَنَّ ناسَ الْجَبْهَةِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَ مَوْقِفَنا بيْنَ أَيْدِي الشُّرْطِى، على قَوْلِ المَثَلِ الشَّعْبِيِّ: "وَاشْ يْدِيرِ الْمَيِّتْ بِيْنِ يَدِّينْ غَسَّالُه؟".
فَإذا هَلَّ هِلالُ الاسْتِقْلالِ، سَحَبُوا مِنَّا الْبِطاقاتِ الْفِرَنْسِيَّةَ دُونَ أَنْ يَنْفُونَا مِنْ بِلادِهِمْ. أَمَّا الْبُيُوتُ الْقَصْدِيرِيَّةُ فَهُدِّمَ آخِرُها في الثَّمانِينِيّاتِ.
وكُتِبَ لِي أَخِيراً أَنْ أَنْكَفِئَ إلى الْجَزائرِ مَعَ الاِسْتِقْلالِ، مُتَسائلاً أَيَّ شَيْءٍ مَلِيحٍ يُمْكِنُنِي أَنْ أَصْنَعَهُ لِسَيِّدِي عُقْبَةَ. كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أُنْجِزَ لِبَلْدَتِي شَيْئاً عَظِيماً فَتَزْدَهِرَ. قُلْتُ في نَفْسِي:
-أَحْسِنْ بِي لَوْ أَنْشَأْتُ بِها "سِينِيما"يَتَسَلَّ بِها الْقَوْمُ وقَدِ انْحافُوا شَطَطاً.
فَتَدَبَّرْتُ مُوَلِّداً لِلْكَهْرَباءِ وابْتَعْتُ سَيَّارَةً كَبِيرَةً كانَ يُقالُ لَها في ذَلِكَ الْوَقْتِ "افْرانْقاتْ Fringatte" ونَقَلْتُ جِهازَ بَثٍّ سِينِيمائِيٍّ ويَمَّمْتُ بِكَنْزِي ذَلِكَ الْنَّفِيسِ شَطْرَ سَيِّدِي عُقْبَةَ. عَلى أَنَّهُنَّ سَبْعَةَ عَشَرَ عاما فارَقْنَ بَيْنِي وبَيْنَ الدَّشْرَةِ فَغُبِّرَتْ عَنِّي السَّبِيلُ وما أَحْسَنْتُ الرُّجُوعَ إلَيْها وقَدْ تَوَدَّرْتُ في الأَوْراسِ. والطَّرِيفُ أَنِّي كُنْتُ قَدْ جَعَلْتُ عَلَمَيْنِ جَزائرِيَّيْنِ عَنْ كُلِّ جانِبٍ مِنَ السَّيَّارَةِ فَخْراً وسَعادَةً فَكُنْتُ، كُلَّما جُزْتُ عَنْ شَخْصٍ، بايَعَ لِي يَحْسِبُنِي عَقِيداً. بايَعُونِي أَكْتَعُونَ: الصَّغِيرُ والْكَبِيرُ والْمَرْأَةُ والرَّجُلُ وأَنا كَذَلِكَ مُطْلِقٌ الْعِنانَ لِلْعَجَلاتِ كَأَنَّنِي مَلِكٌ نُومِيدِيٌّ يَخْتَرِقُ صُفُوفَ شَعْبِهِ الشَّاوِيِّ الأَشَمِّ حَتَّى بَلَغْتُ سِرْيانَةَ وما أَفَقْتُ.
فإذا أَفَقْتُ، أَلْفَيْتُ الْوَضْعَ بِقَرْيَتِي الْحَبِيبَةِ مُفْجِعاً، قَدْ تَحَكَّمَ بِها الْجَهْلُ ناهِيكِ عَنِ الْخَصاصَةِ. ووَجَدْتُ النَّاسَ يُؤْمِنُونَ بِخُرافاتٍ ما تَزَالُ نَفْسِي تَمُجُّها إلى ذِي اللَّحْظَةِ الّتي أَفْتَحُ لَكِ فِيها صَدْرِي وأَلْفِظُ لَكِ فِيها بِمَكْنُوناتِ ذِكْرَياتِي، فَكُنْتُ أَبْتَسِمُ ابْتِسامَةَ مَرارَةٍ وأَنا أَتَطَلَّعُ إلى ما عُبِّئَتْ بِهِ سَيَّارَتِي، وإلى السِّينِما الّتي كُنْتُ أَنْوِي أَنْ أُقِيمَها لِشَعْبٍ يَصْنَعُ تَمْثِيلِيَّاتِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يُصَدِّقُ تَفاصِيلَها على أَنَّها حَقِيقَةٌ مُطْلَقَةٌ. ومِنْ أَكْثَرِها رَوَاجاً، تِلْكَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِقَبْرِ أَبِي مُهاجِرٍ دِينار (بودِينار)، وقَدْ كانَ مَصْنُوعاً بِالْخَشَبِ. فَكانَتِ النَّاسُ تَأْتِي تَنْزَعُهُ سَرِقَةً ثُمَّ تَقُولُ إنَّ أَبا دِينارٍ يَلْفِظُهُ. فَإذا سَأَلَ بَعْضُهُمْ:
-ولِماذا يَلْفِظُهُ؟
أُجِيبَ بِكُلِّ بَداهَةٍ:
- لأَنَّهُ لا يُحِبُّ السَّقْفَ… لَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ السَّقْفُ…إنَّ سَيِّدِي بُو دِينارٍ يَقُولُ لَكُمْ:
- اِصْنَعُوا لِي شَيْئاً طَيِّباً وإلاَّ لا داعِيَ.
فَلَمَّا صَنَعُوا لَهُ بُنْيانَ الْحَدِيدِ رَضِيَ وما عادَ يَلْفِظُهُ...!! اللَّهُمَّ اُجْبُرْ حالَنا!
بارِيس، مايُو 2008م

من كتابي ( في قبب بني مزغنّا )






نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 7 ربيع الثاني 1435هـ الموافق لـ : 2014-02-07



أخبار سيدي عيسى

* سيدي عيسى المدينة تناشدكم *
من أجل الصالح العام من أجل سيدي عيسى ومن أجل كل الذين مروا عبر الزمان والمكان نناشدكم كي تكونوا في الصفوف الأمامية للعمل الصالح الذي نراه ومضة خير تعيد المناعة للناس ولكل من تخالجه نفسه العمل ضمن حراك يعود بالخير على المدينة ..نحن نتوسم خيرا كي نعود الى ترسيم تفاصيل صنعتها أجيال سيدي عيسى عبر التاريخ ولنا في الحلم مليون أمنية كي تتحقق مشاريع وتزدهر رؤى وتنتعش مواقف هنا وهناك تعيد الاعتبار للمدينة ولحياة ننشدها جميلة وفيها كل تلك الاماني التي نراها تعيد إلينا كل اللقطات الجميلة التي نسعد بها بداية البداية للدخول في مرحلة صفاء مع الذات ومع مل الخيرين في سيدي عيسى رؤية تلامس الواقع وتعيد الامل لكل واحد يريد الخير ويبحث على الخير وكلنا واحدا كي نعيد الروح الى تفاصيل مدينة متحضرة تأسست منذ عام 1905 ..مدينة سيدي عيسى وكما نرى تحمل كل التفاصيل التاريخية المميزة ..
كونوا معنا جميعا


* ذكرى تأسيس موقع سيدي عيسى *
سيكون يوم 26 جوان 2017 القادم..هو تاريخ الذكرى الخامسة لتأسيس موقع سيدي عيسى فضاء روحاني باسماء من ذهب ..وهو ما يسعدنا كي نستمر معكم أيها القراء الاعزاء الذين نسعد بكم وبمواضيعكم المختلفة حسب تبويب المجلة حيث نلتمس من كل من كتب أو أراد المشاركة أو عاين موقع سيدي عيسى الإلكتروني ..كي يراسلنا عبر إدراج مواضيعه عبر خانة المراسلون في الجهة اليمنى من الأعلى في مضموت الصفحة الرئيسية للموقع ..وسعداء دائما بما يتم ادراجه من مواضيع خاصة المتعلقة بتاريخ وحضارة سيدي عيسى وكذا كل القضايا والنشاطات والاحداث الحاصلة وعموما كل ما ينفع الناس ولا يدرج الموقع أبدا المواضيع ذات الطابع السياسي او الحزبي أو التي تثير النعرات الحزبية والطائفية وتثير التفرقة والفتنة والعنصرية ..وهذا خدمة لرسالة الموقع كي يكن منكم وإليكم ...وهذه الومضة هي بمثابة صورة صادقة تحبذ هيئة الموقع والمجلة أن تكون ضمن زوايا تبويب الموقع كي نصل الى قدر كبير من الاضافات والمرامي الهادفة ...
مرحبا بمساهماتكم

قسم الفيديو
سيدي عيسى ذاكرة وتاريخ
نطلب منكم ارسال روابط للفيديو - الفيديو يكون مسجل على موقع يوتوب
المدة الزمنية أقل من 20 دقيقة


نحن في خدمتكم و شكرا
صور و رسومات


السيد والي ولاية المسيلة حاج مقداد في سيدي عيسى
في اطار فعاليات " البداية لنا والاستمرارية لكم "


تكريم الكاتب العالمي سهيل الخالدي
في المركز الثقافي في سيدي عيسى


الشاعر عمر بوشيبي يكرم الكاتب الكبير
عياش يحياوي في المركز الثقافي خديجة دحماني


علاوة علي عضو هيئة موقع سيدي عيسى فضاء روحاني باسماء من ذهب
علاوة علي أرشيف الموقع الدائم


الاستاذ محمد نوغي عضو هيئة موقع سيدي عيسى فضاء روحاني باسماء من ذهب


الرسام التشكيلي سعيد دنيدني بومرداية


الكاتب الكبير يحي صديقي


المركز الثقافي لشهيدة الكلمة خديجة دحماني


الشاعر الكبير قريبيس بن قويدر


الكاتب عياش يحياوي مع الروائي المهدي ضربان وعرض لكتاب " لقبش "

مراسلون

سجل الآن و أنشر
أكتب موضوعا أوخبرا لحدث جرى في بلدك أومدينتك وأنشره بنفسك في قسم المراسلون.

إقرأ لهولاء
لمياء عمر عياد
لمياء عمر عياد
سوسن بستاني
سوسن بستاني
ساعد بولعواد
ساعد بولعواد
المختار حميدي
المختار حميدي
محمد بتش
محمد بتش"مسعود"
فاطمة امزيل
فاطمة امزيل
سعد نجاع
سعد نجاع
نورة طاع الله
نورة طاع الله
شنة فوزية
شنة فوزية
عبد الله بوفولة
عبد الله بوفولة
عبد الله دحدوح
عبد الله دحدوح
نائلي دواودة عبد الغني
نائلي دواودة عبد الغني
Nedjma Sid-Ahmed Gautier
Nedjma Sid-Ahmed Gautier
نبيلة سنوساوي
نبيلة سنوساوي
رابح بلطرش
رابح بلطرش
noro  chebli
noro chebli
خليل صلاح الدين بلعيد
خليل صلاح الدين بلعيد
شنة فوزية
شنة فوزية
بختي ضيف الله
بختي ضيف الله
أبو طه الحجاجي
أبو طه الحجاجي
safia.daadi
safia.daadi
lمحمد بتش
lمحمد بتش
نسرين جواهرة
نسرين جواهرة
عيسى بلمصابيح
عيسى بلمصابيح
دالي يوسف مريم ريان
دالي يوسف مريم ريان
zineb bakhouche
zineb bakhouche
ملياني أحمد رضــــــــــــــا
ملياني أحمد رضــــــــــــــا
حلوز لخضر
حلوز لخضر
عبدالكريم بوخضرة
عبدالكريم بوخضرة
جعفر نسرين
جعفر نسرين
عبد الرزاق بادي
عبد الرزاق بادي
مليكة علي صلاح رافع
مليكة علي صلاح رافع
أميرة أيلول
أميرة أيلول
طاهر ماروك
طاهر ماروك
فضيلة زياية (الخنساء)
فضيلة زياية (الخنساء)
بوفاتح سبقاق
بوفاتح سبقاق
حسدان صبرينة
حسدان صبرينة
فاطمة اغريبا ايت علجت
فاطمة اغريبا ايت علجت
يوسف عمروش
يوسف عمروش
شيخ محمد شريط
شيخ محمد شريط
تواتيت نصرالدين
تواتيت نصرالدين
سيليني غنية
سيليني غنية
أنيسة مارلين
أنيسة مارلين
سماح برحمة
سماح برحمة
وحيدة رجيمي
وحيدة رجيمي
سعادنة كريمة
سعادنة كريمة
حمادة تمام
حمادة تمام
كمال خرشي
كمال خرشي
بامون الحاج  نورالدين
بامون الحاج نورالدين
دليلة  سلام
دليلة سلام
أبو يونس معروفي عمر  الطيب
أبو يونس معروفي عمر الطيب
علاء الدين بوغازي
علاء الدين بوغازي
آمال بن دالي
آمال بن دالي
Kharoubi Anissa
Kharoubi Anissa
أسعد صلاح صابر المصري
أسعد صلاح صابر المصري
علي بن رابح
علي بن رابح
حورية سيرين
حورية سيرين
كمال بداوي
كمال بداوي
أمال حجاب
أمال حجاب
محمد مهنا محمد حسين
محمد مهنا محمد حسين
زليخة بوشيخ
زليخة بوشيخ
محمد الزين
محمد الزين
السعيد بوشلالق
السعيد بوشلالق
سعدي صبّاح
سعدي صبّاح
وردة فاضل
وردة فاضل
جمال الدين الواحدي
جمال الدين الواحدي
Amina Guenif
Amina Guenif
يحياوي سعد
يحياوي سعد
وسيلة بكيس
وسيلة بكيس
مخفي اكرام
مخفي اكرام
دردور سارة
دردور سارة
فاطمة بن أحمد
فاطمة بن أحمد
الشاعر عادل سوالمية
الشاعر عادل سوالمية
مرزاق بوقرن
مرزاق بوقرن
صاد ألف
صاد ألف
فاطمةالزهراء بيلوك
فاطمةالزهراء بيلوك
نادية مداني
نادية مداني
arbi fatima
arbi fatima
شينون أنيس
شينون أنيس
وحيد سليم نايلي
وحيد سليم نايلي
الصـديق فيـثه
الصـديق فيـثه
حمدي فراق
حمدي فراق
رزيقة د بنت الهضاب
رزيقة د بنت الهضاب
شهيناز براح
شهيناز براح
د/ ناصرية بغدادي العرجى - نيويورك
د/ ناصرية بغدادي العرجى - نيويورك
وردة سليماني
وردة سليماني
عيسى فراق
عيسى فراق
زيوش سعيد
زيوش سعيد
جمال بوزيان
جمال بوزيان
علاء الدين بوغازي
علاء الدين بوغازي
عمار نقاز
عمار نقاز
سايج وفاء
سايج وفاء
مهدي جيدال
مهدي جيدال
سميرة منصوري
سميرة منصوري
okba bennaim
okba bennaim
tabet amina
tabet amina
   محمد الزين
محمد الزين
الطاهر عمري
الطاهر عمري
بدر الزمان بوضياف
بدر الزمان بوضياف
هاجر لعروسي
هاجر لعروسي

جميع الحقوق محفوظة لموقع سيدي عيسى

1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة
الراشدية
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على
info@sidi-aissa.com