سيدي عيسى سيدي عيسى
الجمعة 7 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن  
جديد الموقع  * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله....   * احتفال اتحاد الكتاب فرع سيدي عيسى بالعيدين   * احتفال بيت الشعر الجزائري بعيدي الاستقلال و الشباب    * حملة تبرع بالدم في عواس احتفالا بعيد الاستقلال و الشباب   * بلاعة الحدث   * الى أمي..   * ديوان الهايكو :فسيفساء من الهايكو الجزائري..للشاعرة عبر البحر /حلوة السعدية ..   * تكريم الشاعر عمر بوشيبي تكريسُ للثقافة    * ممزوج البكالوريا واللامبالاة ...   * صيحات عانس   * نبتة في أرض الشقاء   * تهنئة بمناسبة عيد الفطر المبارك   * تجربة الحداثة وتناثر الألوان في ديوان: أنامل وأقراص ليزر لـمنذر بشيرة الشقرة يسرى الجبيلي   * رمضان يغادرنا في رمضان   * آية و رزان ثمن العودة   *  وداعا - يوسف –   * أمل الحياة    * مطاعم الرحمة : نموذج جزائري خالص والافطار في كل مكان وأهل الخير يصنعون الخير..وبالقوة ...1541 بلدية جزائرية تتنافس على الخير في شهر رمضان :    * يا ابن التي....؟ !   * إننا نحبك يا عزازقة   
تجربة الحداثة وتناثر الألوان في ديوان: أنامل وأقراص ليزر لـمنذر بشيرة الشقرة يسرى الجبيلي
بقلم : الناقدة التونسية يسري الجبيلي
لنفس الكاتب
[ شوهد : 190 مرة ]

تجربة الحداثة وتناثر الألوان في ديوان: أنامل وأقراص ليزر لـمنذر بشيرة الشقرة
يسرى الجبيلي

تجربة الحداثة وتناثر الألوان في ديوان: أنامل وأقراص ليزر لـمنذر بشيرة الشقرة
يسرى الجبيلي
يسرى الجبيلينروم من خلال هذه القراءة الوجيزة لديوان "أنامل وأقراص ليزر" لمنذر بشير الشفرة، تبين أوجه الحداثة، ومعالمها في كتابته الشعرية، كما نرمي إلى تبين أهمية وحضور المنجز التشكيلي واللون كملهم في تجربته الشعرية . ونحن إنما نسعى بذلك إلى البحث في الواقع وقدرته على التشكل في بنى نصية جديدة ذات معان دالة وآفاق حالمة تعاين الواقع وترصد اتجاهاته الفكرية والاجتماعية ...

I. معالم الحداثة وجنون الكتابة

لقد أتاح النظم الحر للشاعر حرية في تشكيل للقصيد وجوازات لم يكن يعهدها الشعراء قبل عصر الحداثة وهذا ما ألفناه في ديوان " أنامل وأقراص في ليزر " فقد بدت الكتابة متحررة من كل قيد، لا تخضع لقانون ولا لسنة شعرية . ولا تتقيد بنفس الكتابة، فنجد بذلك النثري من الحر مع العمود الشعري مع التفصيلة كما في قصيدة " ليون " القديمة أو " قصيدة سجن الكلمات " أو قصيدة سيرانو" وغيرها من القصائد التي نضمها الشاعر على غير مثال، يقول محمد النويهي في هذا الصدد " الشكل الجديد بحريته في عدد التفاعيل في البيت الواحد وبتخلصه من سيمترية البيت ذي المصراعين وبسهولة تخلص من القافية حين لا يحتاج إليها (...) وبما له من قدرة طيبة على تنويع الإيقاع والنغم (.....) يستطيع أن يحقق ما عجز الشكل التقليدي عنه "[1].

و لعل المتأمل لنصوص الشفرة الشعرية لا تخفى عليه طرق الكتابة الحديثة وأساليبها فالشاعر يتلون بتلون قصائده إذ نجد ذلك المزج الطريف بين قصيدة النثر والعمود كما في قصيدة " لم عدت".

و قد تتخذ الكتابة أوجها شتى في قصائده ومن في لغة " ذات تشكيل فني ترفض الألفة والتلقي ".

ما نلاحظه أيضا في نصوص " أنامل وأقراص ليزر " هو ظاهرة الفراغ والصمت بشكل متواتر من نص إلى آخر فهو اختيار فني يرتبط أساسا بالكتابة الحداثية التي أصبحت تشتغل بتقنيات موازية للكلام أو معادلة له كالصمت المخترق للكلام أو تلك النقاط المتتالية التي تتكرر في كل مرة.

فهل يرسم الشاعر بتلك التقنيات أشياء متعالية لا يمكن حصرها بالكتابة ؟

إن نص الشفرة هو نص الحداثة المتطورة وليس نص البدايات، وقصيدة الشفرة هي نسيج يتداخل فيها إيقاع الذات وإيقاع العالم في " لغة جديدة نستدعي الرموز والأساطير وترتدي الأقنعة، ونستنزف طرائق الأداء الحديثة، وتسعى إلى ابتكار أشكالها على غير مثال سابق"[2] .

إن ما نستشفه من خلال هذا القول هو أن النظام الذي يحكم القصيدة الحديثة ليس نظام النحو وحسب وإنما أيضا نظام الانفعال والتجربة، ومن هنا كانت لغة الشعر الحديث لغة رموز وإيحاءات وتشرب للواقع برؤى حديثة لا يحكمها الموروث ولا التقاليد .

إن نزوع قصيدة الشفرة إلى بنية غير مألوفة ليس أمرا فوضويا وإنما هو من الحداثة والتحديث، فنصوص الشفرة فيها نفس جديد وهي تميل إلى التحديث وتتمرد على المفاهيم السائدة في مستوى الشكل ولكن أيضا تصوغ التصورات السائدة على تصورات جديدة عن الموت والحياة والحرية والزواج وحتى المكان والزمان ....، كلها تتشكل في نصوص الشعرية بطريقة مغايرة وقد نلامس الواقع أحيانا ولكنها كثيرا ما نتخفى فتجيء ملغزة تلفها الأساطير والخيالات، وهذا ما يطالعنا حين نقرأ قصائده الموسومة عناوينها بأسماء لوحات فنية شهيرة مثل قصيدة " الصنم الصامت "، أو قصيدة " الصرخة " وغيرها من القصائد التي تحمل في ثناياها رؤية حداثية للعالم والوجود .

لقد تبينا من خلال قراءتنا لنصوص الشفرة أنه يتشرب في نصوصه بعضا من تجربة أنيس الحاج في تلويناتها الحديثة . وكذلك خليل حاوي ويوسف الخال وأمل دنقل . وقد بدا الشاعر موفقا في المزج ببراعته اللغوية وبين الشعر الجديد بإيقاعه الفكري ونبضه الوجداني المستمد من عمق الحضارة وعمق التجربة الإنسانية.

إن التحديث في شعر الشفرة لا يكمن في شكل القصيد وكيفية تشكله، وإنما هو أيضا رؤية جديدة وطريقة في النظر مغايرة للسائد. وليس علينا نحن الدارسين أن نقف عند حداثة الشكل وحسب، بل يجب علينا أن نغوص في فكر الشاعر ورؤيته للوجود والموجودات من حوله إذ جعل الشفرة شعره صنوا للحياة والثورة، وقد تبين في قصائده فكرة الحرية المطلقة كتشريع الخيانة وتحدي الزواج، بحيث تصبح الخيانة حقا مشروعا أمام قيد الزواج وحكم التقاليد، وهذا ما نستشفه خاصة في قصيدة " غادة الشانزيليزية " حيث يقول الشاعر:

نفضت عن خصلتها نور الصباح

و جدت حين دغدغ

دخان السجارة

أهدابها المصطنعة

و تسلل للشعر المسدل ألف شراع

و جناحا دوران

و يقول في آخر القصيد:

تصرف فعل البدء

مدت إليك يدا

و لها فزع الطير الأزرق الهادي

في زمن معادي

و تتأثر الفضاء حوالك أيها الشرقي...

فما انتابك حلم أي ....

باريس تنسل من ماء رغبتها

إن الحرية التي تتبدى من خلال هذا القصيد هي حرية مطلقة، فالشاعر يوغل في تحرير الوجدان من القوالب التقليدية إلى حد تشرع فيه الخيانة .

و مما نلاحظه أيضا في قصائد الشفرة إعادة إخراج الماضي وبنائه في صور شعرية تخالف هيئة إدراكه وحفظه إبان وقوعه من ذلك ذكرا لا حصرا قصيدة " باب الخوخة " وقصيدة " كهل باب الجلادين" وهي قصائد تنبع من صلب الملاحظة العينية في المدينة (مدينة القيروان)، ومن خلال هذه القصائد وغيرها يمكننا القول أن تجربة الشفرة الشعرية هي تجربة العيون التي تنظر بماضيها وبما تعودت عليه من التقاليد والأعراف، تنشد إليه حينا وترحل عنه أحيانا.

II. حضور اللون

لقد تميزت القصائد لحديثة باعتمادها " اللون " عنصرا من عناصر بناء النص الشعري يكسبه جمالية وبعدا إيجابيا ويبث فيه دلالات شتى والحقيقة أنه ليست هناك دلالات ثابتة الألوان وبخصوص عند تأويلها فهي ذات دلالة رمزية حيت تغادر دلالتها الأصلية وتروم التأويل، وهي قابلة للتجدد من شاعر إلى آخر كل يوظفها حسب رؤيته للعالم وللوجود وحسب إدراكه للأشياء ووعيه بها .

و نظرا لأهمية هذه الظاهرة في الشعر الحديث نجد الكثير من الدراسات التي اهتمت بها . فظهرت دراسات تعنى باللون ودلالاته ورمزيته ووظائفه . منها ذكرا لا حصرا: دراسة بعنوان " اللغة واللون" أحمد مختار، تناول فيها وظائف الألوان ودلالتها، كما نذكر أيضا كتاب بعنوان " سيمياء العلامة اللونية " للكاتب مظفرا نواب، إلخ ......

و ليس الشعر بمنأى عن هذه الدراسات نقدا فقد تعددت البحوث التي سعت إلى الكشف عن دلالة الألوان وحضورها في بعض الدواوين الشعرية كديوان نازك الملائكة (شظايا ورماد)، محمود درويش، سعدي يوسف وغيرهم ممن شكل اللون جزءا من كتاباتهم الشعرية.

و لما كان اللون من عناصر تأثيث القصيدة عند بعض شعراء الحداثة ارتأينا أن نهتم بهذه الظاهرة وتبين مدى حضورها في شعر الشفرة، وسنعتمد في ذلك على المنهج الوصفي التحليلي، معتمدين على نماذج من حضور اللون في قصائده، ولكن قبل الخوض في تبيان هذه المسائل لا بد أن نشير إلى صورة الغلاف لما للرسم من صلة وثيقة بالألوان .

إن صورة الغلاف هي لوحة زيتية من إيداع الشاعر وخط أنامله، وهي ذات تلونات قد توحي بتجربة الحداثة والعولمة ولكنها تحيلنا أيضا على عمق الإحالة التراثية وعمق التجربة الإنسانية .

لقد شكلت صورة الغلاف في جزء منها عتبة وامتداد لما ستحويه النصوص الشعرية في ديوان " أنامل وأقراص ليزر " من أفكار وتلونات فاصطبغت بذلك الألوان بالكلمات واللوحة بالقصيد، وما سنتبينه لاحقا.

إن المتأمل لديوان " أنامل وأقراص ليزر" يلحظ حضور اللون وأهميته في تشكيل رؤية حداثية للقصيد والأشياء كما يتمثلها الشاعر، وفي ما يلي جدول أحصينا فيه الألوان التي وقع ذكرها في الديوان حسب درجة حضورها وعدد مرات تداولها.

اللون

عدد مرات حضوره

الأبيض

13 مرة

الأسود

13 مرة

الأخضر

7 مرات

الأحمر

6 مرات

الأصفر

4 مرات

الأزرق

3 مرات

الرمادي

3 مرات

الأصفر القاني

مرة واحدة

الكستنائي

مرة واحدة

يبدو من خلال هذا الجدول أن الشاعر يميل إلى استعمال الألوان في كتابته الشعرية كغيره من شعراء الحداثة ممن شكل اللون جزءا من رؤية حداثية في قصائدهم . كما نلاحظ أيضا ميله إلى استعمال الألوان التي تصنف ضمن القيم الضوئية وهي الأبيض والأسود.

و للألوان في ديوان الشفرة دلالاتها ومعانيها وهذا ما سنحاول تبينه من خلال دراسة عينة من نصوصه الشعرية .

يعتبر اللون من العناصر البارزة في قصائد الشفرة حيث تألقت الألوان في نصوصه الشعرية في أسلوب تعبيري رمزي وواقعي، وقد ظهرت هذه الألوان في قصائده لتؤكد أن علم الجمال الفني يتحول ويتجدد باعتباره ثمرة إبداع الفنان (الشاعر) ونتاج واقع معاش حول القصيدة إلى إبداع فني ترسم المواد والألوان دلالاته الرمزية وعلاقاته الجمالية . وهذا ما سنتبينه تباعا من خلال دراستنا لبعض النصوص الشعرية من ديوان " أنامل وأقراص".

منذ البداية يتجلى لنا اهتمام الشاعر بالألوان، من خلال صورة الغلاف التي تجلى من خلالها رساما عالما بخفايا اللون وما قد يحمله من دلالات، وهو شيء التمسناه من خلال عناوين قصائده نورد منها ذكرا لا حصرا: الصرخة، السيدة مارقريت، أوانيس أفينيون، جزيرة الموتى، الصنم الصامت، هرب " برق الليل "، نثارات النفس، البحر والقوارير اللسان الضرير ...

إن بعض النصوص في ديوان الشفرة جاءت مقترنة بأسماء لوحات فنية شهيرة استلهم منها الشاعر مادته الشعرية، هذه اللوحات قد يكون الشاعر شاهدها أو تمثلها فجاءت بعض قصائده امتدادا لها، من ذلك مثلا نصه الشعري " جزيرة الموتى " وهو أيضا عنوان لوحة فنية للفنان السويسري " أر نولد بولكن " رسمها سنة 1880 وهو في سن 74، بطلب من سيدة إيطالية فقدت زوجها .

لم يطلق الرسام في البدء على لوحته اسما بعينه حتى جاء أحد المتعهدين بالفن وأطلق عليها اسم " جزيرة الموتى "، وهو اسم استقرت اللوحة على تسميته .

تجسد اللوحة حالة الفقد والغياب فهي تجسد بعمق تجربة الموت من خلال ألوانها وما تحويه من رسومات.

و لعل ما يهمنا من هذه اللوحة الفنية هو ذلك المشهد الذي تحويه والذي تعد قصيدة الشفرة، التي تحمل عنوان اللوحة ذاته، امتدادا له .

في اللوحة نرى جسدا متشحا بالبياض وقاربا شبحيا يعبر مياه سوداء مظلمة باتجاه جزيرة صخرية، وفي القارب ما يشبه الكفن أو هو تابوت ملفوف بأردية بيضاء. على مسافة من القارب تتشكل الجزيرة وهي أشبه بمقبرة تحوي صخرتين كبيرتين تظهر ما بينهما مجموعة من الأشجار الشامخة، ونحن إذا ما عدنا إلى قصيدة الشفرة سنجد أنها سنجد أنها تحاكي هذا المشهد وتصوره بطريقة شاعرية وبهذا يمكن أن نقول أن الشعر عنده " أقرب إلى فن التصوير "[3] .

إن قصيدة "جزيرة الموتى " تحاكي بكلماتها اللوحة الفنية " جزيرة الموتى " لأرنولد بولكن فهي امتداد لتجربة الغياب وامتداد لدموع السيدة التي فقدت زوجها فوقفت وراء التابوت في وشاح أبيض تشيّع جثمان زوجها في صمت رهيب وظلام مهيب.

يقول الشاعر:

هذه الغيوم اشتهاء للبياض ...

و استباق لمطر الخضرة ...

نتوءات تعصر الأخضر والكستنائي ....

أي شعر لهذا السر والمنفرج عن باب يتوسط صخر

المغيب ....

يحاكي هذا القول ما جاء في اللوحة الفنية، فاللون الأبيض يحاكي الغياب والفراغ وهو رمز للحد والسكينة .

أما اللون الأخضر فقد أورده الشاعر للدلالة على الخلاص: الخلاص من عالم المادة، أما الباب الذي " يتوسط صخر المغيب "، فهو محاكاة لتلك البوابات أو المنافذ المشرعة المرسومة في اللوحة والتي تخترق واجهة الصخور الصامتة، القائمة في مياه سوداء.

و للون الأبيض في قصائد الشفرة دلالة على النقاء والطهر المثالي: يقول في قصيدة " المرايا ":

في سحايا مجنحة

و بياض ...... ضم القلب

في دوامة المروحة ......

و يقول في قصيدة: هرب " برق الليل "

كأن الليل حين انطبق على عينيه من غير قمر

عميل لسيده الشيخ زكريا صاحب المرعى

ذكر جنونه ببياض العروس حين تروض ورد

الحديقة وهو يرمقها من حوض البقدونس .

إن اللون الأبيض في ديوان " أنامل وأقراص ليزر" يتردد ما بين الدلالة على الطهر والنقاء تارة، وبين الدلالة على الفراغ والسكون طورا آخر .

لقد تحول المنجز التشكيلي في هذه القصيدة (جزيرة الموتى)، وفي غيرها من قصائد الشاعر، التي شكلت بعض اللوحات الفنية، الشهيرة فحوى لها، تحول من مجرد ذاكرة سيكولوجية إلى قصائد شعرية.

أما اللون الأسود، وقد ورد في ديوان الشفرة بنفس درجة حضور اللون الأبيض كقيمة ضوئية موازية له فإن دلالته مختلفة، فهو قد يعبر عن الكآبة والضيق كما في قصيدة " البحر والقوارير " وإذا كان البحر كتابة عن الامتداد والإطلاق والحرية فإن القوارير كناية عن الجزر والحصار والقيد .

يقول الشاعر في هذه القصيدة:

و ظل السواد المعيشي دثارا حميم ...

كأني أناجي الظلام الذي لا يراني

فتسطف فوق الرؤوس الأماني

و سالت عليها شعاعات فجر

غريق .

إن السواد هنا اقترن بكآبة داخلية يعيشها السجين ومن وراءه الشاعر، وهي كآبة وغيرية داخلية أو هو حزن عميق في الذات، قد يتجاوز حدود المكان إلى الزمان والذاكرة التي تنظر بماضيها بما تعودت عليه من التقاليد والأعراف.

هذه الدلالة عن الحزن والكآبة الدفينة نجد لها صدى أيضا في قصيدة " نثارات النفس" حيث يقول الشاعر كما تلظى من نفسه:

نثارات النفس تشظي ... على وقع الشلال والقطر ...

هذي سطور الهباءات ...أيقضن التراب ... أمطرن

ألف عين وعين ... من سرة الطروب بصبرة الخزامى

أزفت لون حكي ... وأسود نازح عن سواده...

و إذ كان اللون الأسود يعبر عن الحزن والكآبة في ديوان الشفرة، فإن اللون الأحمر تردد في قصائده للدلالة على الثورة والغضب والحياة الصاخبة.

يقول في قصيدة " الصرخة " وهي قصيدة مستوحاة من لوحة " الصرخة " لإدوارد مونش:

لن نسميك انحباسا ولا انصياعا

للثورة بل عبادة

لارتجاج الألق الغرير ... حمرة السماء

تتلظى

إن اللون الأحمر والصارخ يوحي من خلال هذا القصيدة إلى حالة ذهنية مشوشة مليئة بالأحداث المؤلمة والصاخبة فالسماء الحمراء تخلق شعورا كليا بالقلق والخوف فهي سماء دموية.

و يقول في قصيدة "ورد "

" عنّ لي أن أصرخ

عنّ لي أن أرسم

فجرا

عن ثورة الحمر "

لقد استلهم الشاعر اللون الأحمر للدلالة على الثورة والغضب وللتعبير عن واقع مرير وغربة نفسية، ولكن دلالة اللون الأحمر لا تقتصر على هذه المعاني وحسب، وإنما له (اللون الأحمر) دلالة أيضا على الحب والشهوة والشهوة العارضة .

يقول في قصيدة " نثارات نفس ":

و أحمر عشق وامتلاء السمائي زرقة غائمة

و في قصيد آخر يقول:

" هذا الذكر الموسوم بالحمرة

لهب ما له شبيه

تبقى دلالة اللون الأحمر على الثورة والحركة والحياة اليومية الصاخبة هي الدلالة الأعم في ديوان " أنامل وأقراص ليزر " .

أما بقية الألوان فإن حضورها في الديوان يتوزع بشكل متفاوت مع اختلاف دلالاتها، فاللون الأصفر يدل على الحزن والضيق والتبرم بالحياة .

يقول في قصيد: ميترو لي هالي "

فوق خد الجدران

تتراءى أشكال غربتها الألوان

يخلط الأصفر لون الدم شوقا

تكتب الحب الحبيس ... إني قد أحببتك ...

و يقول في " أوانيس أفينيون "

أدركت وحشي التفافكن عني إلى

رجيع الأصفر ...

و يدل اللون الأزرق على الانطلاق والتحرر وهو رمز لعالم لا يعرف الحدود، وهذا ما نستشفه من خلال قصيدة " غادة الشانزيليزية" حين تصبح الخيانة تحررا من قيد الزواج. هكذا نتبين أن اللون يلعب دورا هاما في ديوان الشفرة حيث يوظف الشاعر إمكانيات اللغة وتجليات اللون، فيرسم من خلال اللون التشكيلية فضاءا فنيا مختلف التشكل ومتعدد الدالات فهو " يستعين بالألوان ليعبر عن عمقه العاطفي وجوهره الفكري، وكأنه رسام عارف بخفايا الألوان ودالاتها وعلاقاتها بالإنسان، بل إن " الصور والألوان تنطلق من جوانية الشاعر، وخبرته البصرية ووعيه التاريخي، وحفرياته الأسطورية، وتجربته النقدية، وتجواله ومشاهداته التشكيلية"[4].

إن ما نسنتتجه من خلال هذه القراءة الوجيزة لديوان " أنامل وأقراص ليزر " هو:

- استفادة الشاعر من منجزات الفن التشكيلي واستلهامه كثيرا من اللوحات في إبداع قصائده .

- إثراء النص الشعري من خلال توظيفه اسم الفنان التشكيلي ولوحته بصورة رمزية أو فنية جمالية، وهو ما أسهم في شحن القصيدة بدلالات إضافية .

- أن سنة الحياة التشكيلية لا تتعارض مع استنباط الشاعر لهموم ومشاكل عصره وتحويلها إلى مادة فنية تكون فيها البيئة والثقافة والفكر والمجتمع والماضي نتاجا فنيا .

- تحول اللوحات الفنية من منجز تشكيلي إلى خطاب شعري ذات طابع تجريدي وتعبيري وشاعري ورمزي في آن واحد، فالشاعر لا يوظف عبثا خطابا شعريا قوامه الفن لتشكيلي، يعيد رسم نحت من الألوان والزخرف باللغة والكلمات وهنا تكمن قدرة الشاعر على الخلق والإبداع.

- تتوزع نصوص الشفرة في مصادرها المتنوعة على ذاكرة واسعة، يتداخل فيها العربي بالغربي، القديم بالحديث وهذا ليس غريبا على شاعر منفتج على مشارب اللغتين العربية والفرنسية ينهل من معينهما العذب .

- لقد جعل الشاعر لكل لون معنى متأثرا في ذلك بفن الرسم واللوحات الزيتية التي تمنح الألوان أبعادا جمالية وهو يذكرنا هنا بالشاعر الفرنسي " رامبو "، الذي كان وليعا بهذا البعد الإيجابي للألوان .



يسرى الجبيلي

..........................

المصادر والمراجع

- الشفرة (منذر): أنامل وأقراص ليزر، ط 1، الشركة التونسية لنشر وتنمية فنون الرسم، 2006.

- نشوان (حسين): 2004 م، المعجم اللوني في شعر عز الدين المناصرة الأردن، وزارة الثقافة.

- النويهي (محمد): قضية الشعر الجديد، ط 2، دار الفكر، بيروت 1971 .

- عبد الصبور (صلاح): حياتي في الشعر

- الغزي (محمد): قراءة في أغاني الحياة، مجلة الحياة الثقافية، عدد 69 -70، تونس 1995

هوامش

[1] قضية الشعر الجديد، ص 124

[2] محمد الغزي: قراءة في أغاني الحياة، ص 77 – 78

[3] صلاح عيد الصبور، حياتي في الشعر، ص 30

[4] المعجم اللوني في شعر عز الدين المناصرة، نشوان، ص 126



نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 30 رمضان 1439هـ الموافق لـ : 2018-06-14



أخبار سيدي عيسى

* سيدي عيسى المدينة تناشدكم *
من أجل الصالح العام من أجل سيدي عيسى ومن أجل كل الذين مروا عبر الزمان والمكان نناشدكم كي تكونوا في الصفوف الأمامية للعمل الصالح الذي نراه ومضة خير تعيد المناعة للناس ولكل من تخالجه نفسه العمل ضمن حراك يعود بالخير على المدينة ..نحن نتوسم خيرا كي نعود الى ترسيم تفاصيل صنعتها أجيال سيدي عيسى عبر التاريخ ولنا في الحلم مليون أمنية كي تتحقق مشاريع وتزدهر رؤى وتنتعش مواقف هنا وهناك تعيد الاعتبار للمدينة ولحياة ننشدها جميلة وفيها كل تلك الاماني التي نراها تعيد إلينا كل اللقطات الجميلة التي نسعد بها بداية البداية للدخول في مرحلة صفاء مع الذات ومع مل الخيرين في سيدي عيسى رؤية تلامس الواقع وتعيد الامل لكل واحد يريد الخير ويبحث على الخير وكلنا واحدا كي نعيد الروح الى تفاصيل مدينة متحضرة تأسست منذ عام 1905 ..مدينة سيدي عيسى وكما نرى تحمل كل التفاصيل التاريخية المميزة ..
كونوا معنا جميعا


* ذكرى تأسيس موقع سيدي عيسى *
سيكون يوم 26 جوان 2017 القادم..هو تاريخ الذكرى الخامسة لتأسيس موقع سيدي عيسى فضاء روحاني باسماء من ذهب ..وهو ما يسعدنا كي نستمر معكم أيها القراء الاعزاء الذين نسعد بكم وبمواضيعكم المختلفة حسب تبويب المجلة حيث نلتمس من كل من كتب أو أراد المشاركة أو عاين موقع سيدي عيسى الإلكتروني ..كي يراسلنا عبر إدراج مواضيعه عبر خانة المراسلون في الجهة اليمنى من الأعلى في مضموت الصفحة الرئيسية للموقع ..وسعداء دائما بما يتم ادراجه من مواضيع خاصة المتعلقة بتاريخ وحضارة سيدي عيسى وكذا كل القضايا والنشاطات والاحداث الحاصلة وعموما كل ما ينفع الناس ولا يدرج الموقع أبدا المواضيع ذات الطابع السياسي او الحزبي أو التي تثير النعرات الحزبية والطائفية وتثير التفرقة والفتنة والعنصرية ..وهذا خدمة لرسالة الموقع كي يكن منكم وإليكم ...وهذه الومضة هي بمثابة صورة صادقة تحبذ هيئة الموقع والمجلة أن تكون ضمن زوايا تبويب الموقع كي نصل الى قدر كبير من الاضافات والمرامي الهادفة ...
مرحبا بمساهماتكم

قسم الفيديو
سيدي عيسى ذاكرة وتاريخ
نطلب منكم ارسال روابط للفيديو - الفيديو يكون مسجل على موقع يوتوب
المدة الزمنية أقل من 20 دقيقة


نحن في خدمتكم و شكرا
صور و رسومات


السيد والي ولاية المسيلة حاج مقداد في سيدي عيسى
في اطار فعاليات " البداية لنا والاستمرارية لكم "


تكريم الكاتب العالمي سهيل الخالدي
في المركز الثقافي في سيدي عيسى


الشاعر عمر بوشيبي يكرم الكاتب الكبير
عياش يحياوي في المركز الثقافي خديجة دحماني


علاوة علي عضو هيئة موقع سيدي عيسى فضاء روحاني باسماء من ذهب
علاوة علي أرشيف الموقع الدائم


الاستاذ محمد نوغي عضو هيئة موقع سيدي عيسى فضاء روحاني باسماء من ذهب


الرسام التشكيلي سعيد دنيدني بومرداية


الكاتب الكبير يحي صديقي


المركز الثقافي لشهيدة الكلمة خديجة دحماني


الشاعر الكبير قريبيس بن قويدر


الكاتب عياش يحياوي مع الروائي المهدي ضربان وعرض لكتاب " لقبش "

مراسلون

سجل الآن و أنشر
أكتب موضوعا أوخبرا لحدث جرى في بلدك أومدينتك وأنشره بنفسك في قسم المراسلون.

إقرأ لهولاء
لمياء عمر عياد
لمياء عمر عياد
سوسن بستاني
سوسن بستاني
ساعد بولعواد
ساعد بولعواد
المختار حميدي
المختار حميدي
محمد بتش
محمد بتش"مسعود"
فاطمة امزيل
فاطمة امزيل
سعد نجاع
سعد نجاع
نورة طاع الله
نورة طاع الله
شنة فوزية
شنة فوزية
عبد الله بوفولة
عبد الله بوفولة
عبد الله دحدوح
عبد الله دحدوح
نائلي دواودة عبد الغني
نائلي دواودة عبد الغني
Nedjma Sid-Ahmed Gautier
Nedjma Sid-Ahmed Gautier
نبيلة سنوساوي
نبيلة سنوساوي
رابح بلطرش
رابح بلطرش
noro  chebli
noro chebli
خليل صلاح الدين بلعيد
خليل صلاح الدين بلعيد
شنة فوزية
شنة فوزية
بختي ضيف الله
بختي ضيف الله
أبو طه الحجاجي
أبو طه الحجاجي
safia.daadi
safia.daadi
lمحمد بتش
lمحمد بتش
نسرين جواهرة
نسرين جواهرة
عيسى بلمصابيح
عيسى بلمصابيح
دالي يوسف مريم ريان
دالي يوسف مريم ريان
zineb bakhouche
zineb bakhouche
ملياني أحمد رضــــــــــــــا
ملياني أحمد رضــــــــــــــا
حلوز لخضر
حلوز لخضر
عبدالكريم بوخضرة
عبدالكريم بوخضرة
جعفر نسرين
جعفر نسرين
عبد الرزاق بادي
عبد الرزاق بادي
مليكة علي صلاح رافع
مليكة علي صلاح رافع
أميرة أيلول
أميرة أيلول
طاهر ماروك
طاهر ماروك
فضيلة زياية (الخنساء)
فضيلة زياية (الخنساء)
بوفاتح سبقاق
بوفاتح سبقاق
حسدان صبرينة
حسدان صبرينة
فاطمة اغريبا ايت علجت
فاطمة اغريبا ايت علجت
يوسف عمروش
يوسف عمروش
شيخ محمد شريط
شيخ محمد شريط
تواتيت نصرالدين
تواتيت نصرالدين
سيليني غنية
سيليني غنية
أنيسة مارلين
أنيسة مارلين
سماح برحمة
سماح برحمة
وحيدة رجيمي
وحيدة رجيمي
سعادنة كريمة
سعادنة كريمة
حمادة تمام
حمادة تمام
كمال خرشي
كمال خرشي
بامون الحاج  نورالدين
بامون الحاج نورالدين
دليلة  سلام
دليلة سلام
أبو يونس معروفي عمر  الطيب
أبو يونس معروفي عمر الطيب
علاء الدين بوغازي
علاء الدين بوغازي
آمال بن دالي
آمال بن دالي
Kharoubi Anissa
Kharoubi Anissa
أسعد صلاح صابر المصري
أسعد صلاح صابر المصري
علي بن رابح
علي بن رابح
حورية سيرين
حورية سيرين
كمال بداوي
كمال بداوي
أمال حجاب
أمال حجاب
محمد مهنا محمد حسين
محمد مهنا محمد حسين
زليخة بوشيخ
زليخة بوشيخ
محمد الزين
محمد الزين
السعيد بوشلالق
السعيد بوشلالق
سعدي صبّاح
سعدي صبّاح
وردة فاضل
وردة فاضل
جمال الدين الواحدي
جمال الدين الواحدي
Amina Guenif
Amina Guenif
يحياوي سعد
يحياوي سعد
وسيلة بكيس
وسيلة بكيس
مخفي اكرام
مخفي اكرام
دردور سارة
دردور سارة
فاطمة بن أحمد
فاطمة بن أحمد
الشاعر عادل سوالمية
الشاعر عادل سوالمية
مرزاق بوقرن
مرزاق بوقرن
صاد ألف
صاد ألف
فاطمةالزهراء بيلوك
فاطمةالزهراء بيلوك
نادية مداني
نادية مداني
arbi fatima
arbi fatima
شينون أنيس
شينون أنيس
وحيد سليم نايلي
وحيد سليم نايلي
الصـديق فيـثه
الصـديق فيـثه
حمدي فراق
حمدي فراق
رزيقة د بنت الهضاب
رزيقة د بنت الهضاب
شهيناز براح
شهيناز براح
د/ ناصرية بغدادي العرجى - نيويورك
د/ ناصرية بغدادي العرجى - نيويورك
وردة سليماني
وردة سليماني
عيسى فراق
عيسى فراق
زيوش سعيد
زيوش سعيد
جمال بوزيان
جمال بوزيان
علاء الدين بوغازي
علاء الدين بوغازي
عمار نقاز
عمار نقاز
سايج وفاء
سايج وفاء
مهدي جيدال
مهدي جيدال
سميرة منصوري
سميرة منصوري
okba bennaim
okba bennaim
tabet amina
tabet amina
   محمد الزين
محمد الزين
الطاهر عمري
الطاهر عمري
بدر الزمان بوضياف
بدر الزمان بوضياف
هاجر لعروسي
هاجر لعروسي

جميع الحقوق محفوظة لموقع سيدي عيسى

1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة
الراشدية
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على
info@sidi-aissa.com